ابن أبي أصيبعة
397
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
دليلا لهم عليه . فقالوا : اجعل رسلك إليه ، من لانت سجيته ، وظهرت قناعته ، وصدقت لهجته ، وكان رجوعه إلى الحق أحب من الظفر به . فإن بين من استولى عليه هذا الوصف وبينه وصلة تدل عليه « 1 » . أقول : ولما كان يوم بدر ، والتقى فيه المسلمون ومشركوا قريش ، كان المقدم على
--> ( 1 ) في طبعة مولر زيادة نصها : وتقدم إليهم في المسألة عنه عند مسقط رأسه ومنشئه وسيرته في هذه المواضع فإنك تجده زاهدا في النعيم راغبا في الصدق مؤثرا للخلوة بعيدا من الحيلة غير حظى من الملوك ، ينسبون إلى تجاوز حده والخروج عما جرى عليه أهل طبقته وتتأمل فيه الخوف وتخال فيه الغفلة إذا تكلم في الأمر توهمت أنه عالم بأصوله وليس يعرف ما يترقى إليه به . وإذا سئل عما يصدر عند ذكر أنه يلقى على لسانه وفي خاطره في اليقظة وبين النوم واليقظة ما لم ير فيه . وإذا سئل عن شئ رأيته كان يقتضى الجواب من غيره ، ولا يفكر فيه تفكير القادر عليه ، والمستنبط له . وإذا وجدوه فسيجمع لهم إلى ما تقرر من وصفه أعاجيب تظهر على لسانه ويده . فجمع سبعة نفر وأضاف إليهم أمثل من وجده من الفلاسفة فخرجوا يلتمسونه فوجد على مسافة خمسة أيام من مستقر مارينوس في قرية قد خرج أكثر أهلها عنها ، وسكنوا قريبا من مدينة مارينوس لما آثروه من لين جواره وكثرة الانتفاع به . ولم يبق فيها إلا نفر من الزهاد قد قعدوا عن الاكتساب ، ومشايخ وزمنى خلفهم الجهد . وهو بينهم في منزل شعث وحول المنزل جماعة من هؤلاء القوم قد شغفهم جواره وألهاهم عن الحظوظ التي وصل إليها غيرهم فتلقاهم أهل القرية بالترحيب . . وسألوهم عن سبب دخولهم قريتهم الشعثة التي ليس فيها ما يحبس أمثالهم عليه . فقالوا رغبنا في لقاء هذا الرجل ومشاركتكم في فوائده وسألوهم عن وقت خلوته فقالوا ما له شئ يشغله عنكم . فدخلوا إليه فوجدوه مختبيا بين جماعة قد غضوا أبصارهم من هيبته فلما رآه السبعة نفر سبقتهم العبرة ، وغمرتهم الهيبة ، ومعهم الفيلسوف ممسك لنفسه ومتهم لحسه ، يريد أن يستبرئ أمره ، فسلموا عليه فرد عليهم السلام ردا ضعيفا وهو كالناعس المتحير ، ثم زاد نعاسه حتى كادت حبوته أن تنحل . فلما تبين من حوله ما تغشاه غضوا أبصارهم ووقفوا وقوف المصلى . فقال : يا رسل الخاطئ الذي ملك جزءا من عالمي ، فنظر إلى صلاحه في سوق الخيرات الجسدية إليه ، فأفسده بما غمره منها وكان سبيله سبيل من وكل بجزء من بستان كثير الزهر والثمار ، فصرف إليه أكثر من حصته من ماء ذلك البستان وظن أنه أصلح له فكان ما زاده منه على حصته ناقصا من طعوم ثماره وروائح أزهاره ، وسببا لجفاف أشجار جزء منه ، وتصويح نبته . فلما سمع السبعة نفر هذا لم يملكوا أنفسهم حتى قاموا مع أولئك فوقفوا وقوف المصلين . قال الفيلسوف : فبقيت جالسا خارجا عن جملتهم لاستبرئ أمره ، وأتقصى عجائبه فصاح بي : أيها الحسن الظن بنفسه ، الذي كان أقصى ما لحقه أن سلك بفكره بين المحسوسات الجزئية والمعقولات الكلية ، واستخلص منها علما وقف به على طبائع المحسوسات وما قرب منها ، فظن أنه يبلغ به كل علة ومعلول ، إنك لا تصل إلى بهذه الطريق لكم بمن جعلته بيني وبين خلقي ، ونصبته للدلالة على إرادتي . فاصرف أكثر عنايتك الاستدلال عليه ، فإذا أصبته فاردد إليه ما فضل عن معرفتك فقد حملته من جودي ما فرقت به بينه وبين غيره وجعلته سمة له يستعرضها افهام المخلصين للحق ، ثم تماسك وقوى طرفه ، فرجع من حوله إلى ما كانوا عليه وخرجت من عنده فلما كان العشية عدت إليه فسمعته يخاطب أصحابه والسبعة نفر بشئ من كلام الزهاد ، ينهاهم فيه عن طاعة الجسد . فلما انقضى كلامه قلت له : قد سمعت ما سلف لك في صدر هذا اليوم وأنا أسألك زيادتى منه . فقال : كلما سمعته فإنما هو شئ صور في نفسي وأنطق به لساني ، وليس لي فيه إلا التبليغ . وكان منه شئ ستقف عليه . فأقمت عنده ثلاثة أيام أدبر السبعة نفر على الرجوع إلى أوطانهم فيأبون ذلك على ، فلما كان اليوم الرابع دخلت عليه ، فما تمكنت من مجلسه حتى تغشاه ما كان غشيه في اليوم الذي دخلنا عليه . ثم قال : يا رسول الخاطئ المستبطئ نفسه في الرجوع له ، ارجع إلى بلدك فإنك لا تلحق صاحبك ، وإنّي أنسخه بمن يعدل ميل الجزء الذي في يده فخرجت من عنده فلحقت بلدي وقد قضى نحبه . وتولى الأمر كهل من أهل بيت مارينوس فرد المظالم وخلص الأرواح مما غشيها من لبوسات الترفه والبطالة » . وحسب قول ابن جلجل يكون النبي المقصود في هذه القصة هو اسقلابيوس . ولم يذكر ذلك ابن أبي أصيبعة . انظر ، [ ابن جلجل ، طبقات الأطباء والحكماء ص 12 ] .